محمد بن جرير الطبري
366
تاريخ الطبري ( تاريخ الأمم والملوك ) ( دار المعارف )
ذكر الخبر عن السبب الذي كان أوجب اختلاف حالهما فيما ذكرت : قال أبو جعفر : قد ذكرنا قبل ان الرشيد جدد حين شخص إلى خراسان البيعة للمأمون على القواد الذين معه ، واشهد من معه من القواد وسائر الناس وغيرهم ان جميع من معه من الجند مضمومون إلى المأمون ، وان جميع ما معه من مال وسلاح وآله وغير ذلك للمأمون فلما بلغ محمد بن هارون ان أباه قد اشتدت علته ، وانه لمابه ، بعث من يأتيه بخبره في كل يوم ، وارسل بكر بن المعتمر ، وكتب معه كتبا ، وجعلها في قوائم صناديق منقوره وألبسها جلود البقر ، وقال : لا يظهرن أمير المؤمنين ولا أحد ممن في عسكره على شيء من امرك وما توجهت فيه ، ولا ما معك ، ولو قتلت حتى يموت أمير المؤمنين ، فإذا مات فادفع إلى كل رجل منهم كتابه . فلما قدم بكر بن المعتمر طوس ، بلغ هارون قدومه ، فدعا به ، فسأله : ما أقدمك ؟ قال : بعثني محمد لأعلم له علم خبرك وآتيه به ، قال : فهل معك كتاب ؟ قال : لا ، فامر بما معه ففتش فلم يصيبوا معه شيئا ، فهدده بالضرب فلم يقر بشيء ، فامر به فحبس وقيد فلما كان في الليلة التي مات فيها هارون امر الفضل بن الربيع ان يصير إلى محبس بكر بن المعتمر فيقرره ، فان أقر والا ضرب عنقه ، فصار اليه ، فقرره فلم يقر بشيء ، ثم غشى على هارون ، فصاح النساء ، فامسك الفضل عن قتله ، وصار إلى هارون ليحضره ، ثم افاق هارون وهو ضعيف ، قد شغل عن بكر وعن غيره لحس الموت ، ثم غشى عليه غشيه ظنوا انها هي ، وارتفعت الضجة ، فبعث بكر بن المعتمر برقعة منه إلى الفضل بن الربيع مع عبد الله بن أبي نعيم ، يسأله الا يعجلوا بأمر ، ويعلمه ان معه أشياء يحتاجون إلى علمها - وكان بكر محبوسا عند حسين الخادم - فلما توفى هارون في الوقت الذي توفى فيه ، دعا الفضل بن الربيع ببكر من ساعته ، فسأله عما عنده ، فأنكر ان يكون عنده شيء ، وخشي على نفسه من أن يكون هارون حيا ، حتى صح عنده موت هارون ، وادخله عليه ، فأخبره ان عنده كتبا من أمير المؤمنين محمد ، وانه لا يجوز له إخراجها ، وهو على حاله في قيوده وحبسه ، فامتنع حسين الخادم من اطلاقه حتى أطلقه الفضل ، فأتاهم